أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
239
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
فأنتم بذي قار أمالت سيوفكم * عروش الّذين استرهنوا قوس حاجب « 1 » وهذه الوقعة إنّما كانت في أسلافهم ، والترتيب أيضا واضح على هذا . ومن قال : إنّ الأولى للترتيب الزماني ، والثانية للترتيب الإخباري ، اختلفت عباراتهم أيضا ، فقال بعضهم : المراد بالخطاب الأول آدم ، وبالثاني ذريته ، والترتيب الزماني واضح ، و « ثُمَّ » الثانية للترتيب الإخباري . وقال بعضهم : ولقد خلقناكم في ظهر آدم ثمّ صورناكم في بطون أمهاتكم . وقال بعضهم : ولقد خلقنا أرواحكم ثمّ صوّرنا أجسادكم ، وهذا غريب نقله القاضي أبو يعلى في المعتمد . وقال بعضهم : خلقناكم نطفا في أصلاب الرجال ، ثم صوّرناكم في أرحام النساء . وقال بعضهم : ولقد خلقناكم في بطون أمهاتكم ، وصورناكم فيها بعد الخلق بشقّ السمع والبصر . ف « ثُمَّ » الأولى للترتيب الزماني ، والثانية لترتيب الأخبار . وقوله : إِلَّا إِبْلِيسَ تقدم الكلام عليه في البقرة « 2 » . وقوله : « لَمْ يَكُنْ » هذه الجملة استئنافية ، لأنها جواب سؤال مقدر ، وهذا كما تقدم في قوله - في البقرة - : « أَبى » ، وتقدم أن الوقف على « إِبْلِيسَ » . وقيل : فائدة هذه الجملة التوكيد ، لما أخرجه الاستثناء من نفي سجود إبليس . وقال أبو البقاء : « إنّها في محل نصب على الحال ، أي ، إلّا إبليس حال كونه ممتنعا عن السجود » ، وهذا كما تقدم له في البقرة من أن « أَبى » في موضع نصب على الحال . [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 12 إلى 15 ] قالَ ما مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ( 12 ) قالَ فَاهْبِطْ مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ ( 13 ) قالَ أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ( 14 ) قالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ ( 15 ) قوله : أَلَّا تَسْجُدَ . في « لا » هذه وجهان : أظهرهما : أنها زائدة للتوكيد ، قال الزمخشري : « لا في « أَلَّا تَسْجُدَ » صلة بدليل قوله تعالى : ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ « 3 » ، ومثلها : لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ « 4 » بمعنى : ليعلم » . ثم قال : « فإن قلت : ما فائدة زيادتها ؟ قلت : توكيد معنى الفعل الذي تدخل عليه وتحقيقه ، كأنه قيل : ليتحقق علم أهل الكتاب . وما منعك أن تحقق السجود وتلزمه إذ أمرتك » . وأنشدوا على زيادة « لا » قوله : 2159 - أبى جوده لا البخل واستعجلت به * نعم من فتى لا يمنع الجود نائله « 5 » يروى : « البخل » بالنصب والجر ، والنصب ظاهر الدلالة على زيادتها ، تقديره : أبى جوده البخل . وأما في رواية الجر فالظاهر منها عدم الدلالة على زيادتها ، ولا حجة في هذا البيت على زيادة « لا » في رواية النصب ، ويتخرج على وجهين ، أحدهما : أن تكون « لا » مفعولا بها ، و « البخل » بدل منها ، لأن « لا » تقال في المنع ، فهي مؤذنة للبخل . والثاني : أنها مفعول بها أيضا ، و « البخل » مفعول من أجله ، والمعنى : أبى جودة لفظ « لا » ، لأجل
--> ( 1 ) البيتان لأبي تمام انظر ديوانه ( 42 ) ، الخزانة ( 1 / 354 ) ، البحر ( 4 / 272 ) . ( 2 ) آية ( 34 ) . ( 3 ) سورة ص ، آية ( 75 ) . ( 4 ) سورة الحديد ، آية ( 29 ) . ( 5 ) تقدم .